محمد أبو زهرة
2820
زهرة التفاسير
فقال : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ الاستفهام إنكاري لنفى الواقع لا لنفى الوقوع ؛ لأنه وقع من المشركين ، وإنكار الواقع توبيخ لهم على ما وقع . وقد وقع في هذا بعض العرب ، فطافوا عراة في المسجد الحرام ، كما ذكرنا ، وقد كان الأمر في الآية السابقة يأخذ الزينة في المسجد الحرام وعند كل مسجد ، وفي هذه الآية يستنكر تحريم الزينة في المساجد وغيرها ، وهي آمرة باتخاذ الزينة أمر إباحة ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يتجمل في ثيابه ، وإن كان يرقعها أحيانا « 1 » ، وكان يحث أصحابه على أن يتخذوا أحسن الثياب حتى إذا أوشكت على البلى تصدقوا بها ، وكان السلف من الصحابة والتابعين يعنون بثيابهم ، وإذا كان قد روى عن عمر - رضى اللّه عنه - أنه في مدة خلافته كان يلبس أحيانا ثوبا تعد رقعاته ، فما ذلك لتحريم التجمل على نفسه ، بل لمعنى في الحكم الآمر نفسه ، فهو يقول : لا أكون أمير المؤمنين إن لم أعش كأضعف المؤمنين . وكان علي بن أبي طالب إمام الهدى يعنى بثيابه ويتجمل بها ، فلما ولى أمر المؤمنين كانت أول كلمة قالها : سأرفع من ثوبي ما كنت أجر . وقوله تعالى : الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ ، أي أنه - سبحانه وتعالى - مكن عباده من إخراجها ونسجها ، وأنشأ لهم مصدر وجودها ، فهو - سبحانه وتعالى - هو الذي أنزل المطر بالماء العذب من السماء فكان النبات ، وعاش بالنبات الحيوان ، وكان من النبات القطن والكتان ، وكان من الحيوان الصوف والوبر والشعر ، وكان من كل ذلك اللباس والرياش ، وما خلق ذلك عبثا ، بل كان وفق ما سنه - سبحانه وتعالى - ولا يليق بمؤمن أن يرد إنعام اللّه ، ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده » « 2 » . وكما استنكر القرآن الكريم الذي أنزله رب العالمين تحريم الزينة استنكر أيضا تحريم الطيبات ، والطيبات هي الأطعمة التي تستلذ وتستطاب ما دامت لا تضر الأجسام ، وهي ضد الخبائث كما قال تعالى : . . . وَيُحِلُّ لَهُمُ
--> ( 1 ) وذلك كما رواه أحمد : باقي مسند الأنصار - باقي المسند السابق ( 25527 ) . ( 2 ) رواه الترمذي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، وقال : هذا حديث حسن . سنن الترمذي : الأدب - ما جاء في أن اللّه يحب أن يرى أثر نعمته ( 2819 ) .